ابن الجوزي

378

كتاب ذم الهوى

فحملني ما في نفسي على أن قلت : أصبر . فقال : إذا كان الليلة فاعبر إلى المخرّم فادخل إلى المسجد وبت فيه . ففعلت . فلما كان السحر إذا بطيار قد قدم ، وخدم قد رقّوا صناديق فرّغا ، فجعلوها في المسجد وانصرفوا ، فخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد ومعها الخادم الذي أعرفه ، فجلست ، وفرّقت باقي الخدم في حوائج ، واستدعتني ، فقبّلتني ، وعانقتني طويلا ، ولم أكن قد نلت قبل ذلك منها قبلة ، ثم أجلستني في بعض الصناديق وقفلته . وطلعت الشمس ، وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها ، فجعلت ذلك بحضرتهم ، في باقي الصناديق ، وقفلتها ، وحملتها إلى الطيار ، وانحدر . فلما حصلت فيه ندمت ، وقلت : قتلت نفسي لشهوة ، وأقبلت ألومها تارة ، وأشجّعها أخرى ، وأنذر النذور على خلاصي ، وأوطّن مرة نفسي على القتل ، إلى أن بلغنا الدار ، وحمل الخدم الصناديق ، وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث ، وبادرت بصندوقي أمام الصناديق ، وهي معي ، والخدم يحملون الباقي ويلحقونها ، فكلما جازت بطبقة من الخدم والبوابين ، قالوا : نريد تفتيش الصندوق ، فتصيح عليهم وتقول : متى جرى الرسم معي بهذا ؟ ! فيمسكون ، وروحي في السياق ، إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هي بالأستاذ : فعلمت أنه أجلّ الخدم ، فقال : لابد من تفتيش الصندوق الذي معك ، فخاطبته بلين وذلّ فلم يجبها ، وعلمت أنها ما ذلّت له [ إلا ] ولها حيلة ، فأغمي عليّ ، وأنزل الصندوق ليفتح فذهب عليّ أمري وبلت فزعا ، فجرى البول من خلل الصندوق ، فقالت : يا أستاذ : أهلكت علينا متاعا بخمسة آلاف دينار في الصندوق ، وثياب مصبّغات وماء ورد ، قد انقلب على الثياب ، والساعة تختلط ألوانها ، وهي هلاكي مع السيدة ! .